الاتفاقية التجارية الجديدة بين الأردن والولايات المتحدة: التحدّيات والاعتبارات

المحامي بهاء الدين العرموطي

مقدمة

وقعت الأردن والولايات المتحدة مؤخرا اتفاقية "التجارة المتبادلة" كملحق لاتفاقية التجارة الحرة الموقعة بين البلدين عام 2001؛ والتي كانت قد حررت التجارة بين البلدين من الرسوم الجمركية بشكل كامل . وجاءت هذه الاتفاقية الجديدة بعد أن فرضت الولايات المتحدة رسوما جمركية على صادرات الأردن ضمن حزمة إجراءات طالت صادرات دول العالم ، وبنسبة بلغ مقدارها 10%. 

الاتفاقية الجديدة تناولتها وسائل الاعلام المحلية تحت عناوين عدة، منها تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وازالة الضريبة الخاصة عن استيراد السيارات الامريكية، واعادة اعفاء صادرات الملابس الاردنية الى السوق الامريكي. وبعد ان حصلت على النسخة الكاملة للاتفاقية وملاحقها من موقع "البيت الأبيض"، وقراءتها بشكل متأن، فقد وجدت ان لها تحدّيات استراتيجية وقانونية عديدة لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند التعامل معها.

التحدّيات الرئيسية

قبل الخوض في تحديات الاتفاقية، لا بد من الذكر هنا ان هذه الإتفاقية ليست حالة أردنية خاصة. وانما وقعتها الولايات المتحدة مع اكثر من عشرين دولة نامية مثل الإكوادور والسلفادور واندونيسيا، وبهامش تفاوضي ضيق جدا، تفرض فيها أمريكا التزامات وشروط عديدة على الدول الموقعة، تهدف بمجملها إنشاء حلف لها في مواجهة نظيراتها من الدول الكبرى مقابل عدم زيادة و/أو تخفيض الرسوم الجمركية على صادرات الدول الموقعة .

تحديات الاتفاقية الجديدة تبدأ مع مادتها الأولى، التي تلزم الاردن بعدم فرض أية رسوم على الصادرات الأمريكية والالتزام بجداول التعرفة المحررة بالكامل بموجب الاتفاقية الموقعة في 2001. على الوجه المقابل منحت نفس المادة الولايات المتحدة الأمريكية الحق في عدم الالتزام بجدول التعريفة الجمركية لاتفاقية التجارة الحرة الموقعة عام 2001! و الحق في زيادة الرسوم الجمركية على الصادرات الاردنية وفقا لادواتها القانونية الداخلية المطبقة حاليا على صادرات العالم. وهذا بحد ذاته يعد إخلالا جوهريا في موازين حقوق والتزامات الاتفاقية الجديدة.

اما المادة (4)5 من الاتفاقية، فألزمت الاردن بالغاء الضريبة الخاصة على السيارات الامريكية الجديدة والتي كانت تتحجج بها واشنطن كقيد على التجارة، وعلما ان هذه الضريبة الخاصة تفرضها الأردن في الأصل على كل الدول؛ وهي ليست رسوما جمركية خاضعة للجداول المتفق عليها في اتفاقية 2001 او اي اتفاقية أخرى من اتفاقيات التجارة الحرة التي وقعتها الأردن مع أي طرف.وبالتالي فان الغاء الضريبة الخاصة على السيارات الأمريكية لا بد انه سيوجد حالة تمييزية من المنافسة غير العادلة مع السيارات الواردة من المناشيء الأخرى، كما سيكون له كلفة على ايرادات الخزينة.

التحدي الأكبر في الاتفاقية باعتقادي هو ما نصت عليه أحكام القسم الرابع منها والتي تضع الاردن، والدول الاخرى الموقعة، في مهب النزاع التجاري القائم بين الولايات المتحدة ونظيراتها من الدول. إذ تضع احكام هذه المادة التزاما على الأردن، بعد التشاور مع واشنطن، للسعي الى فرض اجراءات على صادرات الدول التي تفرض واشنطن رسوما جمركية عليها تحت مبررات حماية الامن القومي الامريكي! 

المشكلة القانونية هنا أنه في حال طبقت الاردن اية اجراءات وفقا لاحكام القسم الرابع من الاتفاقية الجديدة، فانها ستخالف بذلك وبشكل صريح أحكاما جوهرية في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية (الجات 1994)؛ أهمها المادة الأولى (مبدأ الدولة الأولى بالرعاية) والمادة 21 ( الاستثناء المتعلق بالامن). مما قد يؤدي إلى نشوء نزاعات قانونية بين الاردن والدول المصدرة امام هيئات فض المنازعات في المنظمة المشتعلة حاليا بنزاعات عديدة مع الولايات المتحدة. كما ان تفعيل القسم الرابع للاتفاقية الجديدة سيخالف أحكام اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي واتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى وباقي الدول التي نرتبط معها باتفاقيات تجارة حرة؛ وستمنح الشركاء التجاريين الحق في تطبيق اجراءات على الصادرات الاردنية اذا استجابت الاردن للاتفاقية الامريكية الجديدة؛ وفرضت اجراءات مماثلة للتي تطبقها الولايات المتحدة على الصادرات الأوروبية والعربية او من باقي الدول.

بل ان احكام المادة الرابعة للاتفاقية تذهب أبعد من ذلك؛ اذ تضع التزاما على الاردن، بالسعي لفرض إجراءات على شركات تقوم بالتصدير الى السوق الامريكي تعود جنسيتها لدول "تهدد المصالح الأمريكية " حتى لو كانت اردنية مملوكة كليا أو جزئيا من مستثمرين من هذه الدول ! وهذا يعني ان الولايات المتحدة تريد ان تحرم الشركات الأردنية المملوكة جزئيا او كليا من مستثمرين من دول، كالصين على سبيل المثال؛ من التصدير الى السوق الأمريكي وفقا للاتفاقية الاصلية والجديدة! وهذا بحد ذاته يشكل تهديدا لاستقرار البيئة الاستثمارية والتشريعية في الاردن، ومخالفا لالتزامات الأردن امام منظمة التجارة العالمية، ويفتح الباب أمام منازعات قانونية محتملة بين المستثمرين الأجانب والحكومة الاردنية في حال الاستجابة لاية مطالب أمريكية وفقا لنص هذه المادة.

كما ان احكام القسم الرابع تضع التزاما على الاردن بعدم توقيع اية اتفاقات تجارية مع اي دولة "تهدد المصالح الاقتصادية الامريكية"، وهنا تطول قائمة الدول المعنية التي يمكن ان تجد فيها الصادرات الأردنية أسواقا جديدة. وقد يعني ايضا ان اي توقيع لاتفاقات تجارية مستقبلية أردنيا مع اي دولة قد يتطلب موافقة امريكية.

صادرات الألبسة الأردنية

أما فيما يتعلق بصادرات الملابس الاردنية، وبعد مراجعة ملاحق الاتفاقية الجديدة، فقد تبين ان الاتفاقية قد أبقت الرسوم الجمركية الاضافية الامريكية عليها عند 10% (وفقا لإجراءات القسم 301 من قانون التجارة الأمريكية لعام 1974). فيما أتى اعفاءها بعد سبعة أيام ب "مذكرة رئاسية" وليس بموجب الاتفاقية وذلك بمبرر أن صناعات المناطق الصناعية المؤهلة هي ذات مصلحة أمريكية لأنها مخصصة لزيادة الطاقات الانتاجية "للماركات" الامريكية وبالتالي تشكل اهمية استراتيجية للصناعة الامريكية، وهذا ايضا شمل صادرات الألبسة من عدة دول كماليزيا وبريطانيا والإكوادور.

عموما الإعفاء الجمركي لصادرات الألبسة الأردنية إلى السوق الأمريكي بموجب مذكرة رئاسية يعني أنه سيبقى عرضة للتغيير في اي وقت! خصوصا ان نفس المذكرة اشترطت الابقاء على هذا الاعفاء اذا التزم الاردن بحظر استيراد مدخلات الانتاج من الدول التي تقرر الولايات المتحدة ان شركاتها توظف العمالة الجبرية!

أما الصادرات الاردنية الاخرى؛ فوفقا للمذكرة الرئاسية؛ ستبقى خاضعة لاجراءات القسم 301 من قانون التجارة الأمريكي لعام 1974 وبنسبة مقدارها 10%.

التعامل مع الاتفاقية 

حتى أكون واقعيا،  فانني اعلم تماما ان هامش التفاوض على اتفاقية كهذه خصوصا في هذه الظروف كان ضيقا جدا، وفي ظل النهج المتبع لدى الادارة الامريكية الحالية. ولا أحمل أحدا ما لا طاقة له به. لكن هذا لا يمنع أن ينصرف الجهد الإعلامي الى التوعية بمضامينها خصوصا للقطاعات الصناعية، والى اثارة اسئلة ذات نفع: كيف نتعامل معها؟ بل وإيجاد حوار اقتصادي يتناولها تحدياتها بموضوعية بمشاركة الفعاليات الصناعية والتجارية ذات العلاقة في القطاع الخاص؛ عل ذلك يشكل مرجعية مستقبلية ان تطلبت الالغاء او التعديل.

شاركت نص الاتفاقية مع صديق أمريكي، وهو محام متخصص في أحكام التجارة الحرة، وعلقت له عليها: أتُعقل هذه الشروط؟ وهل هذا هو الوجه الجديد لاحكام التجارة الدولية؟ وبعد أن قرأها أرسل لي قائلا : صبرا، فلم يتبقى على موعد الانتخابات الأمريكية إلا ثمانية وعشرون شهرا! 

اتمنى هذه المرة على الجهات المختصة التعامل مع هذه الاتفاقية بأقصى درجات الحذر والبيروقراطية. لأنه في حال تفعيلها، فان التزاماتها قد تخلق توترات تجارية مع الكثير من شركائنا التجاريين، فأحكامها قد تتطلب فرض اجراءات على صادرات الدول خارج الاطار التوافقي والقانوني معها المتمثل في أحكام اتفاقيات منظمة التجارة العالمية واتفاقيات التجارة الحرة الثنائية والمتعددة الأطراف. كما انها قد تلقي بأعباء أمام الاستثمار في الأردن، وأمام النمو المتنوع والنوعي للصادرات الاردنية، سواء في الأسواق التقليدية او الجديدة المحتملة.

stay in the loop

Subscribe for more inspiration.