الاتفاقية التجارية الجديدة بين الأردن والولايات المتحدة: حقائق ومحاذير

المحامي بهاء الدين العرموطي


مقدمة

وقعت الأردن والولايات المتحدة مؤخرا اتفاقية "التجارة المتبادلة" كملحق لاتفاقية التجارة الحرة الموقعة بين البلدين عام 2001؛ والتي كانت قد حررت التجارة بين البلدين من الرسوم الجمركية بشكل كامل . وجاءت هذه الاتفاقية الجديدة بعد أن فرضت الولايات المتحدة رسوما جمركية على صادرات الأردن ضمن حزمة إجراءات طالت صادرات دول العالم، حيث بلغ معدل الرسوم المفروضة على الصادرات الاردنية ما مقداره 12.5%. 

الاتفاقية الجديدة تناولتها وسائل الاعلام المحلية تحت عناوين عدة، منها تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وازالة الضريبة الخاصة عن استيراد السيارات الامريكية، واعادة اعفاء صادرات الملابس الاردنية الى السوق الامريكي. وبعد ان حصلت على النسخة الكاملة للاتفاقية وملاحقها من موقع "البيت الأبيض"، وقراءتها بشكل متأن، فقد وجدت ان لها مساقات ومحاذير عديدة لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند التعامل معها.

الإشكاليات الرئيسية

قبل الخوض في اشكاليات الاتفاقية، لا بد من الذكر هنا انها ليست حالة أردنية خاصة. وانما فرضتها الولايات المتحدة على اكثر من عشرين دولة نامية مثل الإكوادور والسلفادور واندونيسيا، و بهامش تفاوضي ضيق جدا، تملي فيها أمريكا التزامات وشروط على الدول الموقعة تكاد تشكل في مجملها فيتو أمريكي على السياسة الخارجية للدول الموقعة.

إشكاليات الاتفاقية الجديدة تبدأ مع مادتها الأولى، التي تلزم الاردن بعدم فرض أية رسوم على الصادرات الأمريكية غير تلك المحددة بالاتفاقية الموقعة في 2001؛ وجاء في سياقها بالطبع إلغاء الاردن للضريبة الخاصة على السيارات الامريكية التي تعتبرها واشنطن قيود على التجارة (وعلما ان هذه الضريبة الخاصة مطبقة على كل الدول وليست رسوما جمركية خاضعة للجداول المتفق عليها في اتفاقية 2001). 

على الوجه المقابل منحت نفس المادة الولايات المتحدة الأمريكية الحق في عدم الالتزام بجدول التعريفة الجمركية لاتفاقية التجارة الحرة الموقعة عام 2001! و الحق في زيادة الرسوم الجمركية على الصادرات الاردنية وفقا لادواتها القانونية الداخلية المطبقة حاليا على صادرات العالم. وهذا بحد ذاته يعد إخلالا جوهريا في موازين الاتفاقية الجديدة.

اصعب ما في الاتفاقية باعتقادي هو القسم الرابع الذي يضع الاردن، والدول الاخرى المتعاقدة، في أتون المعركة التجارية القائمة بين الولايات المتحدة ونظرائها من الدول. إذ تضع احكام هذه المادة التزاما على الأردن، بعد التشاور مع واشنطن، للسعي الى فرض اجراءات على صادرات الدول التي تفرض واشنطن إجراءات جمركية او حصص كمية عليها تحت مبررات حماية الامن القومي الامريكي! 

المشكلة القانونية هنا أنه في حال طبقت الاردن اية اجراءات وفقا لاحكام القسم الرابع من الاتفاقية الجديدة، فانها ستخالف بذلك وبشكل صريح أحكاما جوهرية في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية (الجات 1994)؛ أهمها المادة الأولى (مبدأ الدولة الأولى بالرعاية) والمادة 21 ( الاستثناء المتعلق بالامن). مما قد يؤدي إلى نشوء نزاعات قانونية بين الاردن والدول المصدرة امام هيئات فض المنازعات في المنظمة المشتعلة حاليا بنزاعات عديدة مع الولايات المتحدة. كما ان تفعيل القسم الرابع للاتفاقية الجديدة سيخالف أحكام اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي واتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى وباقي الدول التي نرتبط معها باتفاقيات تجارة حرة؛ وستمنح الشركاء التجاريين الحق في تطبيق اجراءات على الصادرات الاردنية اذا استجابت الاردن للاتفاقية الامريكية الجديدة؛ وفرضت اجراءات مماثلة للتي تطبقها الولايات المتحدة على الصادرات الأوروبية والعربية او من باقي الدول.

بل ان احكام المادة الرابعة للاتفاقية تذهب الى أبعد من ذلك؛ اذ تضع التزاما على الاردن، بالسعي لفرض إجراءات على شركات تقوم بالتصدير الى السوق الامريكي باسعار تصديرية اقل من القيمة العادية حتى لو كانت اردنية مملوكة كليا أو جزئيا من مستثمرين وشركات تعود جنسيتها لدول تفرض عليها الولايات المتحدة رسوم حمائية! وهذا بحد ذاته يشكل تهديدا لاستقرار البيئة الاستثمارية والتشريعية في الاردن، ومخالفا لالتزاماته الدولية امام منظمة التجارة العالمية، ويفتح الباب أمام منازعات قانونية محتملة بين المستثمرين الأجانب والحكومة الاردنية في حال الاستجابة لاية مطالب أمريكية وفقا لنص هذه المادة.

كما ان احكام القسم الرابع تضع التزاما على الاردن بعدم توقيع اية اتفاقات تجارية مع اي دولة "تهدد المصالح الاقتصادية الامريكية"، وهنا تطول قائمة الدول المعنية التي يمكن ان تجد فيها الصادرات الأردنية أسواقا جديدة.

صادرات الألبسة الأردنية

أما فيما يتعلق بصادرات الملابس الاردنية، وبعد مراجعة ملاحق الاتفاقية الجديدة، فقد تبين ان الاتفاقية قد خفضت الرسوم الجمركية الاضافية الامريكية عليها من 12.5% الى 10%، فيما أتى اعفاءها بعد يومين ب "مذكرة رئاسية" وليس بموجب الاتفاقية، ولعدة دول. وهذا يعني انها ستبقى معرضة للتغيير في اي وقت! خصوصا ان نفس المذكرة اشترطت الابقاء على هذا الاعفاء اذا التزم الاردن بحظر استيراد مدخلات الانتاج من الدول التي تقرر الولايات المتحدة ان شركاتها توظف العمالة الجبرية! وبالطبع من المعروف ان صناعات المناطق الصناعية المؤهلة هي فعليا مخصصة لزيادة الطاقات الانتاجية القصوى "للماركات" الامريكية وبالتالي فهي تشكل اهمية خاصة للصناعة الامريكية. اما الصادرات الاردنية الاخرى؛ فوفقا للمذكرة الرئاسية؛ ستبقى خاضعة لنسبة مقدارها 10%. وهو ما يبين ان التزام تحرير التجارة يقع فقط على الاردن وفقا للاتفاقية الجديدة. وفي معرض الحديث عن الميزة التنافسية للصادرات الاردنية مع صادرات الدول الأخرى وفقا للاتفاقية الجديدة ، فان هناك العديد من الدول التي حصلت على معاملة تفضيلية اكبر في السوق الامريكي مثل المغرب واسرائيل وكندا والمكسيك وحتى الاتحاد الاوروبي للعديد من السلع.

التعامل مع الاتفاقية 

حتى أكون واقعيا،  فانني اعلم تماما ان هامش التفاوض على اتفاقية كهذه خصوصا في هذه الظروف كان ضيقا جدا، وفي ظل النهج المتبع لدى الادارة الامريكية الحالية. ولا أحمل أحدا ما لا طاقة له به. لكن ما يزعج حقيقة هو الاحتفاء المبالغ بها، دون أن ينصرف الجهد الى التوعية بمضامينها خصوصا للقطاعات الصناعية، والى اثارة اسئلة ذات نفع: كيف نتعامل معها؟ بل وإيجاد حوار اقتصادي يتناولها باتزان وموضوعية بمشاركة الفعاليات الاقتصادية في القطاع الخاص؛ عل ذلك يشكل مرجعية لطلب إلغائها او تعديلها في المستقبل.

شاركت نص الاتفاقية مع صديق أمريكي، وهو محام متخصص في أحكام التجارة الدولية، وعلقت له عليها: أتُعقل هذه الشروط؟ وهل هذا هو الوجه الجديد لاحكام التجارة الدولية؟  وبعد أن قرأها أرسل لي قائلا : صبرا، فلم يتبقى على موعد الانتخابات الأمريكية إلا ثمانية وعشرون شهرا! 

اتمنى هذه المرة على المعنيين التعامل مع هذه الاتفاقية بأقصى درجات البيروقراطية. فقد حولت الاتفاقية الجديدة الحقوق المترتبة على اتفاقية التجارة الحرة الامريكية الاردنية الموقعة عام 2001 الى امتيازات أمريكية تتغير وتتبدل بجرة قلم. وبحال تفعيلها، فان التزاماتها قد تقحمنا في توترات تجارية مع الكثير من شركائنا التجاريين، لانها تتطلب فرض اجراءات على صادرات الدول خارج الاطار التوافقي والقانوني معها المتمثل في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية واتفاقيات التجارة الحرة الثنائية والمتعددة الأطراف. كما انها ستلقي بأعباء أمام الاستثمار في الأردن، وأمام النمو المتنوع والنوعي للصادرات الاردنية، سواء في الأسواق التقليدية او الجديدة المحتملة.

stay in the loop

Subscribe for more inspiration.