حماية الصناعة المحلية وسيادة القانون

18/3/2018

 

 

 

المحامي بهاء الدين العرموطي

 

صدر قانون حماية الإنتاج الوطني بنسخته الأولى خلال مفاوضات الأردن للانضمام لمنظمة التجارة العالمية في العام ١٩٩٨، وجاء ليعكس أحكام ثلاث اتفاقيات رئيسية من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، والتي تُعدّ "الاستثناء" الوحيد بين اتفاقيات التجارة العالمية على التزامات تخفيض الرسوم الجمركية على المستوردات.

 

هذه الإتفاقيات هي اتفاقية مكافحة الإغراق واتفاقية مكافحة الدعم واتفاقية التدابير الوقائية، والمخصّصة جميعها لحماية الصناعة المحلية من خلال زيادة الرسوم الجمركية على المستوردات في الحالات التي تتزايد فيه بشكل كبير أو يتمّ بيعها بأسعار إغراقية أو مدعومة.

 

بقي القانون دون تفعيل حتى العام ٢٠٠٠، عندما أجرت وزارة الصناعة والتجارة أول تحقيق في طلب حماية تقدمت به صناعة البسكويت الأردنية من خلال مديرية حماية الإنتاج الوطني، وكنت في ذلك الوقت قد نلت شرف المشاركة في تأسيسها وإدارتها لمدة ست سنوات. النسخة "المطوّرة" الثانية من القانون صدرت كقانون مؤقت في العام ٢٠٠٢ وتحولت إلى قانون دائم في العام ٢٠٠٤.

 

القانون يرمي إلى تحقيق العدالة في قرارات حماية الصناعة المحلية، وذلك لأنّ أحكامه تسعى لمنح الحماية للصناعة التي "يثبت" تضررها بالدليل لا بمجرد الإدعاء، في مواجهة تزايد المستوردات أو بيعها بأسعار إغراقية في السوق المحلي، ولا يحمي القانون الصناعة التي يتبيّن أنّ الضرر الذي لحق بها هو نتيجة أسباب أخرى لا علاقة لها بالاستيراد؛ كسوء الجودة أو عدم قدرة الصناعة على ضبط نفقاتها.

 

بعد مرور ما يقارب تسعة عشر سنة على صدوره، فإن العمل بهذا القانون لا زال متواضعا ولم يحقق سيادته المنشودة، بل شهد تراجعا خلال هذه المدة . فمنذ العام ٢٠٠٠ وحتى نهاية العام ٢٠٠٦ حققّت الجهة المختصة مديرية حماية الإنتاج الوطني، في إحدى عشرة قضية حماية، بينما حققّت منذ العام ٢٠٠٧ وحتى العام ٢٠١٨ في خمس قضايا فقط، على الرغم من تنامي شواهد الضرر لدى عديد الصناعات المحلية نتيجة بيع مستوردات منافسة بأسعار إغراقية ومدعومة في السوق الأردني، وعلى الرغم أيضاً من تراجع الأحوال الاقتصادية في المملكة خلال العشرة سنوات السابقة وهو الأمر الذي يُفترض أن يلازمه زيادة في عدد قضايا الحماية لا العكس.

 

أسباب كثيرة أضعفت هذا القانون، أهمها أنّه لا زال بعيداً عن اهتمامات القطاع الصناعي وأولوياته، هذا على الرغم من أنّ هذا القانون، على أرض الواقع، يُشكّل صمام الأمان الوحيد المتاح للصناعة المحلية للحفاظ على قدراتها التنافسية، في ظلّ سياسة تحرير السوق التي تبنتها الدولة منذ الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية في العام ٢٠٠٠، وما تبع ذلك من توسع في توقيع عددٍ لا بأس فيه من إتفاقيات التجارة الحرة مع عديد الدول، وفي ظل أيضا شُح الدعم الحكومي للصناعة.

 

سبب عدم اهتمام القطاع الصناعي بهذا القانون يعود إلى حقيقة أنّ الكثير من الصناعيين لا يزال يؤمن بالآليات التقليدية للحماية التي كانت متوفرة قبل الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، والتي تمثلت في صلاحيات الحكومة بزيادة الرسوم الجمركية أو إغلاق الاستيراد حتى وإن لم تتوفر أدلة الضرر، وهو الأمر الذي لم يعُد متاحاً الآن، قانونياً على الأقل.

 

وفقا لوجهة نظر العديد من الصناعيين، فإن عدم اللجوء للقانون يبرره كثرة متطلباته، وهذا بحدّ ذاته يدل على ضعف الإلمام بأحكام القانون. المسؤولية تقع هنا على عاتق غرف الصناعة التي لم تقُم فعلياً بدورها، كما يجب، في إجراء حملات التوعية لمنتسبيها بالجوانب الفنية لأحكام القانون. ومن جهة أخرى، تبيّن وجهة النظر هذه عدم محاولة بعض الصناعيين مواكبة المتغيرات الاقتصادية، وتفضيلهم للآليات التقليدية القديمة التي تعتمد على الحلول الآنية "الفزعات" والتي تفتقر إلى التخطيط ووضع الحلول التنافسية طويل الأمد.

 

على أرض الواقع، فإنّ الإستغلال الأمثل لقانون الحماية، يُمَكِّن الصناعيين من وضع سياسة طويلة الأمد لقطاعاتهم، إن هم عملوا بجدية على استيفاء متطلباته. فمُدد إجراءات الحماية ليست بالقصيرة، وفي حال فرضت الحماية فإنّ الفائدة التي ستعود على الصناعة كبيرة جداً بزيادة قدراتها التنافسية وحصصها السوقية في الأسواق المحلية والتصديرية على حدٍّ سواء، الأمر الذي يستدعي ويستحق من المنتجين المحليين الاقتراب أكثر من القانون وبذل المزيد من الجهد لإعداد طلبات الحماية واستيفاء متطلباتها القانونية والتحضير لها بالشكل الصحيح دون التذرع بتعقيدات القانون.

 

لا بُدّ من الإشارة أيضاً إلى تراجع الاهتمام الحكومي بشكل كبير بهذا القانون وبالجهة المختصة بتطبيقه في العشرة سنوات الأخيرة، وهذا، كما ذكرت، يعززه تراجع قضايا الحماية بمرور الوقت إضافة إلى عدم الإهتمام الحكومي الواضح بتنمية قدرات المديرية بما يؤمن تطورها وعدالة قراراتها.

 

إجراءات الحماية من المفترض أن تكون أولوية حكومية لأنها أيضاً تحقق عوائد عالية لخزينة الدولة، وخصوصا أنها تطبق فقط على المستوردات التي تتسبب بالضرر لصناعة بعينها ولكن لا تطبق على كافة ما يتم استيراده الأمر الذي لن يحدث اضطرابات سوقية تساهم في زيادة التضخم. كل هذا التراجع في تطبيق هذا القانون إن دلّ على شيء فإنه يدلّ على مدى نمطية السياسات الاقتصادية التي تبنتها وتتبناها الحكومات الأردنية دون أي تغيير أو تطوير حقيقي لها.

 

في ظلّ الأوضاع الاقتصادية الحالية للمملكة، وحيث إنّ نمو القطاع الصناعي هو أحد أهم محاور الخطة العشرية للدولة لتحقيق النمو الاقتصادي، فإنّ ذلك يستدعي إعطاء القانون أهمية قصوى، سواء من الصناعة ذاتها أو من الحكومة. وبخلاف ذلك، سيكون تحقيق هذا الهدف صعباً جداً، وسنشهد تقلصاً كبيراً للقطاع الصناعي الأردني، وازدياداً مضطرداً لحجم البطالة.

 

 

b.armouti@armouti.com

مشاركة المحتوى