قراءة في قضية التدابير الوقائية ضد مستوردات حديد السيليكون المنظورة من قبل مجلس التعاون الخليجي

8/2/2017

لم ينتظر مجلس التعاون الخليجي أكثر من أسبوعين من بدء التحقيق في قضية تزايد مستوردات “حديد السيليكون منغنيز”، حتى فرض رسوم حماية عاجلة على هذه المستوردات، وأعلن عن ذلك في الإخطار الذي أرسله مكتب الأمانة الفنية لمكافحة الممارسات الضارة، التابع للمجلس، إلى منظمة التجارة العالمية التي نشرته بدورها مؤخرا. فرض الرسوم العاجلة هو مؤشر أن دول مجلس التعاون الخليجي باتت تتبع سياسة جديدة وجدية في حماية صناعاتها الوطنية.

 

السوق الخليجي هو سوق هام على الخارطة العالمية، مما يجعل احتمالية انتقال نزاع دول مجلس التعاون الخليجي مع الدول المصدرة لهذه السلعة، وفي مقدمتها الصين، إلى جهاز فض منازعات منظمة التجارة العالمية، واردة.  

 

سيواجه مكتب الأمانة الفنية في التحقيق الذي يجريه في هذه القضية عددا من التحديات القانونية، أهمها وجود بعض أوجه الغموض في أحكام القانون الموحد لمكافحة الإغراق والتدابير التعويضية والوقائية الذي يحكم هذه القضايا، مما قد يؤثر سلبا على مبررات فرض التدابير الوقائية النهائية القانونية،  إن قرر المجلس فرض تدابير حماية نهائية على المستوردات من سلعة حديد السيليكون، وما قد يتبع ذلك من ضعف للموقف القانوني للمجلس في أي نزاع محتمل أمام جهاز فض المنازعات في منظمة التجارة العالمية مع الدول المصدرة المتأثرة من هذا القرار، على أساس عدم توافق إجراءات مكتب الأمانة الفنية مع أحكام اتفاقية التدابير الوقائية.

 

 ستواجه الأمانة الفنية في هذا التحقيق ايضا تحديا اخرا هاما، وهو تحديد وتعريف السوق المعني في هذه القضية، لما لهذا التعريف من أهمية في تحديد مسار منهجية التحقيق بشقيها الشكلي والموضوعي. فالتوسع في تعريف السوق سيشكل عبئا كبيرا على سلطة التحقيق لانه سيتطلب التحقيق في البيانات المتعلقة بكل سوق من أسواق الخليج وهو أمر ليس بالهين. أما تقييد هذا التعريف سيعني اعتماد سوق واحد من هذه الأسواق وهو سيكون الاسهل لجهة التحقيق، خصوصا ان المتقدم بالشكوى هي شركة واحدة من الشركات المنتجة وجنسيتها سعودية. وأعتقد ان الامانة الفنية ستبتعد عن استخدام التعريف الضيق  نتيجة غموض في القانون الموحد في هذا الاتجاه، حيث جاءت لغة أحكام القانون في تضييق التعريف غامضة وبشكل يمكن أن يكون مخالفا، عند تفسيره، لأحكام اتفاقية التدابير الوقائية (الأم)، وبالتالي تعريض القضية للخسارة ان احيلت الى جهاز فض المنازعات في المنظمة.

 

تعريف السوق في قضايا التدابير الوقائية جوهري من عدة نواحي. فهو مهم لمعرفة فيما إذا كانت الصناعة الخليجية قادرة على تغطية إجمالي الطلب للسوق الخليجي، ويتم قياس ذلك بمعرفة حجم السوق الفعلي لكل دولة وجمعها ومن ثم تقييم فيما إذا كانت الطاقات القصوى للصناعات الخليجية مجتمعة قادرة على تغطية إجمالي الطلب الكلي على السلعة، لأنه في الحالة التي لا تغطي فيه الصناعات الخليجية إجمالي الطلب فإن ذلك سيضعف من جدوى الحماية لما لذلك من آثار سلبية عند بحث المصلحة العامة للمستهلك من حيث احتمالية تقليص العرض وزيادة الطلب.

 

ايضا من المهم تحديد حجم السوق لمعرفة فيما إذا كانت الصناعة المقدمة لطلب الحماية ممثلة للصناعة الخليجية لهذه السلعة ككل، اذ ان القانون الموحد يتطلب أن تكون نسبة تمثيل الصناعة المتقدمة بالشكوى  أكثر من ٢٥٪ من مجمل إنتاج المنتجين الخليجيين لهذه السلعة، مما يستلزم معرفة حجم السوق الخليجي بالكامل ونسبة مبيعات الصناعة المشتكية فيه من مجمل مبيعات باقي الصناعات.

 

كما تبرز أهمية تحديد السوق في معرض قياس عناصر الضرر الجسيم الواقع على الصناعة الخليجية أو مدى التهديد بحدوثه. حيث أن مؤشر الحصة السوقية يعد من أهم مؤشرات قياس مدى التراجع الحاصل على الصناعة الخليجية خلال الفترة التي تزايدت فيها المستوردات، وهذا يتطلب بالضرورة تحديد حجم السوق لقياس ذلك.

 

إخطار الأمانة الفنية لمنظمة التجارة العالمية ذكر أن الإخطار موجه بالنيابة عن كل دولة من دول الخليج، مما يعني بالضرورة ان الامانة الفنية قد اعتمدت التعريف الأوسع للسوق في القانون الموحد؛ وهو إجمالي الأسواق لدول الخليج العربي من هذه السلعة. وهذا سيصعب، باعتقادي، من مهمة التحقيق خصوصا فيما يتعلق في الإثبات.

 

 سلطة التحقيق ستواجه ايضا التحدي المتعلق بتقييم ووزن المصلحة العامة. البحث في مسألة المصلحة العامة هو عامل هام من العوامل الخاضعة للتحقيق والإثبات في قضايا التدابير الوقائية. منتج “حديد السيليكون منغنيز” هو من أهم مدخلات انتاج صناعة الحديد والصلب، وقد يعني ذلك ان مستهلك هذه السلعة المباشر هو الصناعة الخليجية للحديد والصلب، وهو مما قد يقيد حريتها في الحصول على حديد السيليكون باسعار منافسة أن قرر المجلس فرض حماية نهائية على هذه السلعة الأمر الذي قد يؤثر على تنافسية هذه الصناعة بشكل عام.

 

كما ستواجه سلطة التحقيق مسألة إثبات شرط الظروف الاقتصادية غير المرئية (Unforeseen Developments). هذا الشرط يعتبر شرطا أساسيا لتطبيق الحماية النهائية إلا ان إثباته صعب للغاية. وهو إثبات حدوث ظروف اقتصادية غير مرئية أدت إلى تزايد المستوردات من هذه السلعة، ويجب أن تأخذ به الأمانة الفنية  أثناء التحقيق لأن عدم تحقق هذا الشرط أو التحقيق فيه سيعني خسارة القضية إن أحيلت لاحقا إلى منظمة التجارة العالمية. هذا الشرط غير متطلب في القانون الموحد إلا أنه متطلب في اتفاقية التدابير الوقائية.

 

مشاركة المحتوى